مرقد الإمام الرضا.. ملاذ آمن للدعوات المجابة

بسم الله الرحمن الرحيم 

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

 مرقد الإمام الرضا.. ملاذ آمن للدعوات المجابة





مرقد ضم عنوانا من عناوين الخير والصلاح والافتتان بالخالق والدعوة لحب الله. فمن يا ترى يستطيع أن يحمل مثل هذه الصفات من دون ان يكون من نسل المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ومن مدرسة الفضيلة والاخلاق العظيمة وبيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه.. والذي نتحدث عنه هو ثامن الأئمة المعصومين حجج الله على خلقه السلطان الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام.

ذلك الإمام الذي شهد اشد عصور الصراعات فتكاً بالدين الاسلامي وشيعة ومحبي أهل البيت عليهم السلام حيث واجه سلطة الجور والبغي من حكام بني العباس.

وقد قضى الامام عليه السلام أيامه الأخيرة وليا للعهد في طوس أبان حكم المأمون العباسي الذي أغتاله بدس السم له ثم دفن في ارض طوس, مشهده المقدس حاليا والذي يحج إليه الملايين من الناس من كافة بقاع الارض طلبا للشفاعة وقضاء الحوائج.


الموقع:
يقع المرقد المطهر في وسط مدينة مشهد والتي تبعد مسافة 924كم عن العاصمة طهران، يحيط بالمشهد دوار تتفرّع منه شوارع تؤدي إلى كافة أرجاء مدينة مشهد، ويحدّ المشهد من الشمال محلة نوغان، ومن الجنوب شارع الإمام الرضا (عليه السلام) ودوار بيت المقدس، ومن الجنوب الغربي شارع نواب صفوي، ومن الشمال الشرقي شارع آية اللّه الشيرازي.


التأسيس:
إنَّ المكان الذي فيه الضريح الطاهر للإمام الرضا (عليه السلام) كان سابقاً داراً لحميد بن قحطبة الطائي أحد قواد أبو مسلم الخراساني، وعندما توفي هارون الرشيد عام 193هـ دفن في هذا المكان وأقام ولده المأمون على قبره قبة سميّت فيما بعد (القبة الهارونية).

ولما توفي الإمام مسموماً جيء بجثمانه الشريف ودفن بالقرب من قبر هارون الرشيد، غير أنَّ هذه القبة دمّرت عام 380هـ على يد الأمير (سبكتكين) تدميراً كاملاً، فأصبح مرقد الإمام الرضا (عليه السّلام) المزار الوحيد في خراسان الذي حظي بالتقديس والإكبار حيث وضع السلطان مسعود بن سبكتكين على القبر الشريف ضريحاً مذهباً لتمييز قبر الإمام المقدس وليصبح ملاذاً للمنكوبين وملجأ لذوي الحاجات وأصبحت المدينة لا تعرف إلاَّ باسم مشهد الرضا (عليه السلام) بعد أن كانت تعرف بطوس وسناباد.


التوسعة والإعمار:
قام الملوك الديالمة بتعمير قبر الإمام الرضا (عليه السلام) بعد تأسيس المأمون له، وبعد أن خربه الأمير سبكتكين بقي خراباً لا يجرؤ الشيعة الإمامية على عمارته خوفاً من أعدائهم.
وفي سنة 512هـ جدّد أبو طاهر شرف الدين القمي الوزير الشيعي للسلطان سنجر السلجوقي قبة المرقد الطاهر ولـم تزل عمارته قائمة إلى أن خربها التتر، ولكن السلطان محمَّد خدا بنده حفيد هولاكو قام بتجديد عمارة المرقد فيما بعد.
وفي عهد السلطان ميرزا شاهرخ الكوركاني عام 809هـ تم تعمير المشهد، وقامت زوجته الأميرة كوهر شاد بالعناية بالمشهد وبناء المسجد المتصل بالمشهد والمسمى باسمها.

وفي سنة 932هـ. أمر الشاه طهماسب الصفوي بتذهيب قبة المرقد، كما أقام منارة مذهبة ونصب حول المرقد ضريحاً من الذهب.

وفي سنة 1010هـ قام الشاه عباس الكبير بإعمار المشهد وتوسيع الصحن وتذهيب قبة المرقد وفي سنة 1020هـ بنى الإيوان الشمال والشرقي والغربي.

وفي سنة 1086هـ أمر الشاه سليمان الصفوي بتعمير قبة المشهد وتذهيبها إثر سقوطها بسبب الزلزال الذي حدث سنة 1084هـ.

وفي سنة 1153هـ اعتنى نادر شاه بالمشهد وقدم للروضة المطهرة قنديلاً من الذهب المرصع مع القفل الذهبي المرصع.

وفي عهد فتح علي شاه القاجاري بوشر في سنة 1223هـ بتشييد صحن المشهد الجديد.

وفي عهد محمَّد شاه تـمّ في سنة 1260هـ تزيينه بالقاشاني وأكمل ناصر الدين شاه تذهيب إيوان الصحن الذي بناه فتح علي شاه.

وفي سنة 1401هـ وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بدأت عمليات الإعمار والتوسعة الكبيرة للمشهد الشريف إذ بوشر بإنشاء عمارات ومعالـم جديدة ألحقت بالمشهد، وأحداث وترميم المحاريب والزوايا، وأحداث صحون وأروقة جديدة كذلك ألحقت بالمشهد المكتبات والمؤسسات والمراكز الثقافية وتـمّ تطوير مرافق الراحة والخدمات للزوار الذين يتوافدون يومياً على المرقد الشريف.


المعالـم:
يقع ممر الضريح الطاهر في وسط الأبنية التابعة له، والأبنية التي تحيط به عبارة عن صحن الدار القديمة والجديدة، ومسجد كوهر شاد والأروقة، كما يوجد في داخل مقر الضريح الكثير من نفائس القاشاني القيمة والمخطوطات الرائعة وعلى المرقد الطاهر قبة ارتفاعها 31م قشرها الخارجي مطلي بالذهب وفي دائرها كتابة عربية واضحة، وفوق إيوان الذهب تشاهد منارة متلألئة مذهبة تقابلها منارة أخرى فوق إيوان شاه عباس.

ويضمّ الحرم مئذنتين مذهبتين تقعان في الصحن القديـم قاعدة إحداهما في الضلع الجنوبي، وقاعدة أخرى في الضلع الشمالي من الصحن، ويضمّ المشهد عدّة صحون تـمّ توسعتها مؤخراً وهي صحن القدس مقابل مسجد كوهر شاد، وتبلغ مساحته 4672م2، وصحن الجمهورية الإسلامية الذي يقع بين محراب الشيخ البهائي ومحراب الشيخ الطوسي وتبلغ مساحته 40 مترا مربعا والذي يرتبط عن طريق رواق دار الولاية بالحرم المطهر، وهنالك صحن الإمام الخميني وصحن الحرية وصحن الثورة.

كما يشتمل المرقد على عدّة أروقة وعددها 20 رواقاً مجموع مساحتها 7520م2 وأهمها رواق دار الولاية الذي يعتبر أكبر الأروقة إذ تبلغ مساحته 2700م2 ويرتبط بالحرم وبعض الصحون والمقامات بطرق عديدة. ويحيط بالمشهد مكتبة عامرة تقع بين محراب الشيخ الطوسي، ومحراب الطبرسي مشيّدة على مساحة قدرها 29456متر مربع مكونة من ثلاثة طوابق.

وهنالك قبة محلاة بالقاشاني الفاخر ترتفع فوق مسجد كوهر شاد الذي يمتد جنوبي المشهد الشريف، وفي وسط صحن المسجد مصلّى يُسمّى مصلّى المرأة العجوز (بيرزن).

وفي المشهد أربعة أبراج كبيرة وقد شيّدت على البرج الغربي ساعة كبيرة كما تستعمل منارة البرج الشرقي كـ (طبل خانة)، وفي الجهة الجنوبية من المشهد شيّدت دارا كانت تعرف بدار السيادة بنت الأميرة كوهر شاد، علّق في أحد جدرانها صحن مدور يُقال إنَّه الصحن المشؤوم الذي قُدّم فيه العنب المسموم للإمام الرضا (عليه السلام).

وأمام البوابة الجنوبية للصحن التي بناها نادر شاد بنى بئر مثمنة الأضلاع مغطاة تسمّى (سقاخانة نادري). وفي وسط الصحن من جهة الغرب يوجد حوض الماء.



وأخيراً نسألكم الدعاء 

إذا أعجبتك المقالة شاركنا


أكمل القراءة

رؤى الإمام الصادق (عليه السلام) في الإصلاح العام..

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد  






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
وبعد ...

استشهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وانقلب القوم على أعقابهم وبدأت مسيرة الانحراف التي واجهها أمير المؤمنين عليه السلام بحزم لا لين فيه واتخذ إسلوباً خاصاً في التعامل معها ـ هو مفصل في محله ـ وقد تخلل ذلك حروب وأحداث كُثر إلى شهادته عليه السلام وبعده كان للإمام الحسن عليه السلام دوره المميز في مسألة الإصلاح والحفاظ على المؤمنين والإسلام المحمدي وهو دور مختلف عن دور سيد الشهداء عليه السلام وشهادته المفجعة وبعد ذلك ضعف الإسلام الأصيل حداً في عهد الإمام زين العابدين عليه السلام ان كان أعداد المؤمنين قليلاً بل يعدون بأصابع اليد، الأمر الذي حتَّم على الإمام عليه السلام اتخاذ طريق جديد في التعامل مع الواقع واستطاع بحكمته البالغة الحفاظ على المؤمنين بل واتساع أعدادهم إلى حدٍ ما وتهيئة القاعدة الإصلاحية الاجتماعية والسياسية، بإظهار الابتعاد عن السياسة والانزواء في تربية النشأ وإعداد العلماء الذي بلغ قمته في عهد الإمامين الهمامين الباقرين سلام الله عليهما.

الإصلاح في عهد الإمام الباقر عليه السلام تميَّز بطابع العلم وتحصيله وتأسيس الجامعة الإسلامية الكبرى في المدينة المنورة التي مهد لتأسيسها الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، وفعلاً استطاع الإمام إعداد نخبة من العلماء أخذت على عاتقها إصلاح الأمة بعد ذلك بإظهار الحق فاندرس الباطل تلقائياً وقد واصل الإمام جعفر الصادق عليه السلام تلك المسيرة بعد شهادة والده وبوصيه منه بأصحابه المدَّخرين للإصلاح العام، قال الإمام الصادق عليه السلام حينها وهو في سنة 114هـ: لما حضرت أبي الوفاة قال: يا جعفر أوصيك بأصحابي خيراً؟ قلت: «جعلت فداك والله لأدعنَّهم والرجل منهم يكون في مصر فلا يسأل أحداً».
 
وهنا إشارة إلى قاعدة أساسية في المصلح وهي أن يكون عالماً غنياً عن علم غيره، فإن كان كذلك كان قادراً على الإصلاح وان كان جاهلاً كان إفساده مؤكد، وبذلك تقرر إن القاعدة السياسية في الإصلاح العام هي في إعداد النخبة المصلحة إعداداً يؤهلها لتحقيق الغاية ويتحدد عددها باتساع الرقعة والبعد الزمني المتوخى للإصلاح وكذا ديمومته، حيث أن إصلاح الحق لا يتأطر بإطار زمني محدد أو بالنظر إلى الواقع المعاش فقط بل على المصلح أن يضع أسس خلود إصلاحه وبطبيعة الحال إن الكثير من الإصلاحات لا تأتي أكلها سريعاً بل تحتاج إلى سنين أو عقود أو قرون من الزمن، وخلاصة الأمر إن الإمام عليه السلام شحذ الهمم وأثار في النفوس التواقة إلى الإصلاح ضرورته وإمكانيته من الطريق الصحيح الذي حدده سلام الله عليه لذا في عهده بلغت الجامعة الإسلامية عصرها الذهبي وغدا الآلاف طلبة تحت منبر الإمام عليه السلام يُعرِّفهم الحق فيتبعونه ويكونوا بدورهم دعاة إليه ويميزهم الباطل فيجتنبونه ويكونوا بدورهم محذِّرين الناس منه.

والأسلوب الإصلاحي الذي اتخذه الإمام عليه السلام تطلب ابتعاده عن الاصطدام المباشر مع الغاصبين للخلافة من الأمويين والعباسيين وبذلك تفرغ الإمام عليه السلام لأداء رسالته العلمية واستغنى عن طلب الرئاسة والسلطة السياسية لذا نجده عليه السلام لم يتعرض للخلافة قط ولا نازع احد فيها بل غرق في بحار المعارف متألقاً في ذروة الحقيقة، منتشل الأمة من حضيض الجهل وإتباع سلاطنة الجور.

فهل هذا يعني إن الإمام عليه السلام لم يكن سياسياً؟
الواقع يكشف لنا خلاف ذلك بل هو سياسي من الدرجة الأولى، ففي الوقت الذي نجده مبتعد ظاهراً عن الملوك الأمويين وسياستهم معتكف على تأسيس المناهج العلمية وتربية العلماء نجد زيد الشهيد رضوان الله عليه وهو عم الإمام عليه السلام ومن أتباعه المخلصين ثائراً ضد الحكم الأموي حتى استشهد عام 125هـ وثورته هذه مواجهة مباشرة مع السلطة الأموية إلا أن الإمام عليه السلام بحنكته لم يستطيعوا عليه سبيلا.

الإمام الصادق والعباسيين:
ثم جاءت الدولة العباسية لتظهر أشد إلحاقاً في تعقب آل علي عليه السلام من بني أمية وشيعتهم، إلا إنهم في بادئ أمرهم أيام السفاح وهو أول خلفاءهم لمدة أربع سنين انشغلت الدولة بترسيخ دعائمها وملاحقة بني أمية، فكان فيها فسحة للإمام عليه السلام لعمله الإصلاحي والارتقاء به درجات عالية.

المشكلة إن العباسيين كانوا على معرفة إلى حد ما بأهداف الإمام ومنزلته ومقامه فان تركوه وهم بعد لم يترسخ ملكهم اتجه الناس والتفوا حول الإمام عليه السلام لذلك لم يدعوه وشأنه بل بعثوا إليه من يتعقبه من المدينة المنورة إلى الحيرة ليفتك به، لاسيما وان الناس كانوا ينظرون إلى الخلافة جامعة للسلطتين الروحية والزمنية ولا تراها سلطاناً خالصاً مبتوت الصلة بالدين.

ولذا إن استطاع الإمام عليه السلام بيان مكانته ومنزلته وانه إمام مفترض الطاعة منصَّب من قبل الله سبحانه وتعالى واستطاع أن يتبلور العقائد الحقة في أذهان الناس فهذا أمر مزلزل للحكم العباسي الجائر بل قاضياً على المنصب الأعلى فيه ورأسه وهو الخليفة العباسي، فتعرض الإمام عليه السلام اثر ذلك إلى ترصد جعفر الدوانيقي به فرأى الإمام عليه السلام منه ضروباً من الآلام والمكاره، قال السيد ابن طاووس رضوان الله عليه: إن المنصور دعا الصادق عليه السلام سبع مرات كان بعضها في المدينة والربذة حين حج المنصور، وبعضها يرسل إليه إلى الكوفة، وبعضها إلى بغداد، وما كان يرسل عليه مرة إلا ويريد فيها قتله.

وأخيراً استطاع الدوانيقي قتل الإمام عليه السلام في الخامس والعشرين من شهر شوال المكرم 148هـ بالعنب المسموم الذي أطعمه إياه وكان عمره الشريف حين ذاك خمساً وستين سنة.
إلا إن المنهج الإصلاحي الخالد الذي وضعه استمر إلى يوم الناس هذا وبذلك كان هو المنتصر عليه السلام لا الدوانيقي وخلفاءه العباسيين وان الأطر الإصلاحية التي وضعها الإمام عليه السلام كفلت بانتشال الأمة وتصحيح الاعوجاج عبر الزمن.

أقول إن أردنا السير وفق نهج الإمام عليه السلام السياسي والاجتماعي الإصلاحي لابد من اقتفاء خطواته ومواكبته لاسيما في إعداد الكفاءات والتخصصات وتأسيس الجامعات العظيمة التي تضم بين دفتيها مئات الآلاف من الطلبة ليكونوا دعاة إلى نهجه عليه السلام وليس هذا بالأمر الصعب لا أن نكتفي بتدريس بضع مئات لا تتوفر في جميعهم الشروط المطلوبة.



والحمد لله رب العالمين ...

إذا أعجبتك المقالة فشاركنا ليستفاد منها الجميع


 
أكمل القراءة

السيدة سكينة نشأة طيبة وحياة حافلة ووفاة في الخامس من ربيع الأول

بسم الله الرحمن الرحيم




 الاسم والنشأة المباركة: 
سكينة بنت الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام، أمها الرباب بنت امرؤ القيس بن عدي الكلبي معدية، و لقد اشتهرت سيدتنا "سكينة" بهذا الإسم الذي لقّبتها به أمها الرباب، ويظهر أن أمها أعطتها هذا اللقب لسكونها وهدوئها، وعلى ذلك فالمناسب فتح السين وكسر الكاف التي بعدها، لا كما يجري على الألسن من ضم السين وفتح الكاف.

أما اسمها الحقيقي فقد اختلفوا فيه، فمنهم من قال "آمنة" ومنهم قال "أمينة"، وآخرون قالوا "أميمة".
أما تاريخ مولدها فلم يعرف على وجه الدقة، وإن كانت أكثر الروايات رجّحت مولدها في العام  السابع والأربعين من الهجرة الشريفة وعلى هذا القول يكون عمرها عند استشهاد والدها الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء حوالي أربعة عشر عاماً قضتها سلام الله عليها تحت رعاية واشراف سيد الشهداء عليه السلام ولا يخفى ما لهذه التربية المباشرة من قبل المعصوم من اثر بالغ في بناء شخصيتها ومن النواحي كافة العلمية والدينية والاخلاقية بل والخُلقية ايضاً فضلاً عن تأثير البيئة الأُسرية المتضمنة لاكثر من معصوم و شخصيات اخرى كانت بحق واصلة الى الدرجات العلى من العلم والمعرفة والتهذيب.

وبعد واقعة الطف وما جرى فيها من أحداث ومصائب كانت مشتركة فيها وخير مجاهدة فيها في سبيل ربها مثبتتاً للعالم أجمع قوة الموقف والمبدأ والعقيدة انتقلت سكينة إلى رعاية الإمام السجاد عليه السلام، حيث عاشت حياة حافلة بالعلم والأدب والنشاط الاجتماعي، وكان خصومها يقرّون لها بنسبها ومناقبها فكانت السيدة سكينة سيدة نساء عصرها وأوقرهنّ ذكاءً وعقلاً وأدباً وعفة، وكانت تزيّن مجالس نساء أهل المدينة بعلمها وأدبها وتقواها، وكان منـزلها ندوةً دائمة للعلم والفقه والحديث يؤخذ أديم العلم من منبتها وإليها القول الحق بما أدبت وعلمت.

إخوتها:
قال الشيخ المفيد رحمه الله كان للحسين عليه السلام ستة اولاد، وعليه يكون اخوتها خمسه وهُم:
1- علي بن الحسين الاكبر زين العابدين كنيته أبو محمد، وأمه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد.
2- علي بن الحسين الأصغر، قتل مع أبيه بالطف، وأمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي.
3- جعفر بن الحسين عليه السلام وأمه قضاعية، وكانت وفاته في حياة الحسين عليه السلام.
4- عبد الله بن الحسين قتل مع أبيه صغيراً، جاءه سهم وهو في حجر أبيه فذبحه، وهو شقيق السيدة سكينة سلام الله عليها حيث ان امه الرباب ايضاً.
5- فاطمة بنت الحسين عليه السلام، وأمها أم اسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي.

وفاة السيدة الجليلة:
توفيت السيدة سكينة بنت الحسين عليه السلام بعد مضي 56 سنة على فاجعة كربلاء، وكانت وفاتها في المدينة المنورة سنة 117هـ وعليه يكون عمرها الشريف السبعين عاماً.
 وقد حضرت هي وأمها الرباب فاجعة كربلاء الدامية مع سيد الشهداء فكان لها بلاءاً حسناً في ايصال مظلومية آل بيت النبوة وصوت الحسين عليه السلام إلى العالم اجمع وبخاصة اثناء السبي من الكوفة الى الشام.

إدعاءات وافتراءات:
والسيدة سكينة عليها السلام لم تتزوّج غير ابن عمّها عبد الله بن الامام الحسن عليه السلام فقط وفقط، وزواجها بغير ابن عمّها من الأباطيل التي طبل لها رواة السوء، والمرتزقة من حثالات الأمة نسبة تعدّد الأزواج للسيدة سكينة عليها السلام، فقد خبطوا في ذلك خبط عشواء، وغاب عنهم مقياس العلم والأخلاق والأمانة، فكالوا لأهل البيت الطاهرين وأتباعهم ومحبيهم شتّى أنواع البهت والتهم والإفتراءات، كل ذلك بسبب ولائهم لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

محاولة الأعداء لإهانة الجنازة:
وفي يوم وفاتها اشترى محمد بن عبد الله النفس الزكيّة عطراً وعوداً بأربع مائة دينار وأحرقها حول نعشها الطاهر وقد رام خالد بن عبد الملك حاكم المدينة إهانة الجنازة بسبب حرارة الجو بتأخير تشيعها وقال: إصبروا حتى آتي للصلاة على الجنازة، لكنه لم يأت، لذا بقيت الجنازة بلا دفن إلى الليل.
وقيل صلى عليها أخوها الامام زين العابدين عليه السلام ونحن نستبعد ذلك حيث أنها سلام الله عليها توفيت كما ذكرنا عام 117هـ في الوقت ان الإمام زين العابدين عليه السلام قبض كما ذكر الشيخ الكليني في الكافي وهو ابن سبع وخمسين سنة في عام خمس وتسعين للهجرة المباركة فعاش بعد أبيه الحسين عليه السلام خمساً وثلاثين سنة أما السيدة الجليلة فكما ذكرنا أنها عاشت بعد أبيها الحسين 56 سنة وعلى قول يحيى بن الحسن، وعلى قول آخر محمد بن عبد الله بن الحسين ودفنت باحترام.
فسلامٌ عليها سيدة جليلة عالمة يوم ولدت ويوم رحلت ويوم تبعث إن شاء الله.

وأخيراً نسألكم الدعاء

 


أكمل القراءة

المرقد الطاهر للسيّد محمّد (سبع الدُّجَيل) ابن الإمام الهادي عليه السّلام


المرقد الطاهر للسيّد محمّد (سبع الدُّجَيل)

 ابن الإمام الهادي عليه السّلام





يقوم المرقد شرق مدينة بلد قرب سامرّاء ضمن أراضي بني سعد، يحيط به سور يبلغ ارتفاعه 8 أمتار وطوله 300 متر وعرضه 200 متر، ويقع على أرض مربعة الشكل، طول كل ضلع من أضلاعه 150متراً، والصحن فناء كبير له أربعة أبواب رئيسية، وهي: باب القبلة، وباب الحمد، وباب المراد، وباب البريّة. والباب الشرقي مغلقة، وفي السبعينات فتح الباب الغربي عند محل نحر الذبائح المهداة ( القصّابخانة ).

وفي الصحن ـ وهو من أوسع صحون آل البيت النبويّ في العراق ـ ست طارمات رئيسية واسعة و 14غرفة، وصالة للاستقبال أُعدّت للوفود وكبار الشخصيات والوجهاء، تحتوي على مكتبة صغيرة، وزُيّنت جدران الصحن بالقاشاني، ونقشت عليه آيات من الذكر الحكيم، وأحاديث شريفة، وأشعار عربية. وفيه أواوين وطرامي وغرف للسدنة، كما يوجد في إحدى الغرف بئر قديمة جداً حفرها الخدمة وتُستعمل للشرب، يقابلها بئر أخرى تُستخدم لتنظيف الصحن.

وأمّا الرواق الذي تتوسطه الباب الذهبية للدخول، فكُتب عليها الحديث النبوي الشريف: ( كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي )، وتزينت جدرانه بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والأشعار اللطيفة، والروضة فوقها قبة كبيرة مزيّنة من داخلها بالفسيفساء، ومدوناً عليها أسماء الأئمة المعصومين عليهم السّلام، وفيها الكثير من الهدايا الثمينة، ومحيط القبة 50 متراً. والرواق بناية تقع بين الإيوان والحضرة، لها جناحان عن اليمين وعن الشمال، وسقف الرواق ذي القباب الثلاث المكسوّة بقطع مِن المرايا المصنوعة بشكلٍ هندسيّ وإتقان رائع، يدلّ على مهارة الفنّ المعمار العراقي.

أمّا الإيوان الذي يرتكز على ثمانية أعمدة متساوية في الطول لا يختلف بينها سوى عمودين يقعان في الوسط، يزيدانِ ارتفاعاً عن بقيّة الأعمدة، وهما العمودان المتقابلان لباب القبلة، وينتهي جميع الأعمدة بتيجان متساوية الحجوم متشابهة الشكل، مزيّنة ببروزات حلزونيّة، يتوسط هذه الأعمدةَ بابُ الحضرة الذهبيّة المقابلة لبناية الكليداريّة الكائنة في واجهة سور الحصن، كما ويتّصل الإيوان بالرواق الأمامي بواسطة الباب الرئيس الذي يدخل منه الزائرون إلى الحضرة.

وأمّا أبواب الحضرة فهي ثلاثة: باب الذهب، وباب الرواق، وباب الألمنيوم. إذ لا يُسمحَ بدخول الزائرين إلاّ من باب الذهب، وهو مصنوع من خشب الصاج الجيّد ذي الرائحة الطيّبة، ومُغلّف بالذهب الخالص تطوّقه آياتٌ قرآنيّة كُتبتْ بالمنيا بخطٍّ جميلٍ متقن رُسمتْ حروفه بخطّ الثُلث، وغُلّف الباب جميعه بالزجاج الأبيض.

والحضرة هي الفسحة التي تحيط بشبّاك الضريح الشريف، مساحتها10r10متر، ولها رواقان هما: الرواق الشرقي، والرواق الغربي. تُقام فيها الصلاة ويتلى هنالك القرآن الكريم والأدعية الشريفة، وقد زُيّنت جدرانها بالآيات المباركة.
والقبر الشريف يتوسط الروضة حيث يعلوه صندوق ذهبي في غاية الدقة والجمال نُقشت عليه سورة الدهر، وأسماء المعصومين عليهم السّلام، وأشعا عربية وفارسية، وتعلوه ثريّا ضخمة.

أمّا الصندوق الذي يحيط بالضريح والقبر، فقد مرّت عليه حالات تغيير وتجديد حدثت على مدى الأزمنة، فقد كان مصنوعاً من الخشب ثمّ أُبدل بمادّة البرنج ثمّ النحاس، ثمّ أُبدل بمادة الفضّة ومنها إلى الشبّاك الذهبي الحالي.

ومساحة الشبّاك الحالي 4r3 متر، يرتكز على قاعدة مستطيلة من المرمر بارتفاع30 سنتمتراً، يتّصل به مشبّك مصنوع من مادّة الفضّة، ويمتدّ بمقدار 180 سنتمتراً، ثمّ يتّصل بمادّة الذهب المكمّل لهيكل الصندوق المشبّك.

ويحيط بالصندوق من جهته العليا أحزمة بارزة من الذهب الخالص فيها تشكيلات زخرفيّة وآيات قرآنية كُتبتْ بشكلٍ فنّي وهندسي، ثمّ يأتي شكل هندسي بيضوي رُسِم بالمينا بزخرفٍ جميل يضمّ اسماً من أسماء الله الحسنى.

وإلى جانب القبة مأذنة لا تقل روعة وبهاءاً عنها وطولها40 متراً، ويقع جوار المرقد حمام ومطحنة وخان بناه الميرزا حسين النوري ( سنة1310 هـ )، ويحيط بالصحن سوق صغير، وثلاثة فنادق، ومنشأة عامة لنقل المسافرين، ومقبرة عامة، ومركز للشرطة، وعدد من المقاهي والمطاعم.

العمارات التي جرت على المرقد

كان المرقد سابقاً مهجوراً، لوقوعه في برية موحشة، ومنحرفاً عن طريق زائري سامراء، وقد توالى على مرقده الطاهر العمران والبناء والتجديد (1) كلّما توالت العمارة على مرقد العسكريين عليهما السّلام. وأهم ما مر من العمارة على المرقد الطاهر على مر التاريخ هي:

1 ـ عمارة عضد الدولة البويهي المتوفي سنة ( 372 هـ )، وتُعتبر أُولى العمارات (2)، استناداً إلى مشاهدات أهل الخبرة والأطلاع، لما شاهدوه في تعمير سنة ( 1379 هـ ) حيث ثبت بالأدلة والقرائن أن العمارة ترجع إلى أيام عضد الدولة في القرن الرابع الهجري.

2 ـ عمارة الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي في القرن العاشر الهجري، عندما عمّر مرقد العسكريين عليهما السّلام بعد فتحه لبغداد سنة ( 914 هـ ).

3 ـ عمارة المولى الميرزا محمّد رفيع الخراساني الأصل التبريزي المسكن سنة ( 1198 هـ / 1777 م ) بأمر الأمير أحمد خان بن مرتضى علي الدنبلي الخوئي كما في ( تحفة العالم ) للتستري.

4 ـ عمارة الشيخ زين العابدين بن محمّد السلماسي المتوفّى سنة ( 1266 هـ )، وهو من أبزر تلامذة السيد بحر العلوم، وتشرف بلقاء الحجة ـ فبذل (3) الجهد لعمارته سنة ( 1208 هـ / 1787 م ) فبنى قبة من الآجرّ والجص، وأحدث خاناً لنزول الزائرين، وأكمل تشييدَ الخان فيما بعد جماعةٌ من دولت آباد، وكانت العمارة بأمر الأمير حسين خان السردار.

5 ـ عمارة العلامة محمّد صالح بن إسماعيل البرغاني القزويني المتوفي بكربلاء سنة ( 1283 هـ ) وله نحو ( 15 ) مؤلفاً، وأشرف على العمارة حسين خان القزويني في سنة ( 1244 هـ ) وكانت مكتوبة بخط الثلث على صخرة في الروضة المقدسة.

6 ـ بنى السيّد المجدد رحمه الله حجرتين، وبنى السيد آقا خان الحسيني المحلاتي (4) الرواقين خلف الروضة وقدامها، وأمر العالم المفسر الحاج فتح علي سلطان آبادي المتوفي سنة ( 1317 هـ ) بإنشاء حوض البئر التي كانت على يمين الصحن.

7 ـ عمارة الميرزا حسين بن محمّد تقي الطبرسي النوري، حيث شيّد ( 12 ) غرفة (5) في الطرف الجنوبي والغربي من الصحن سنة ( 1310 هـ / 1893 م )، وكتب على القبر الشريف تاريخ وفاة السيد محمّد عليه السّلام، وكان طول الصحن وقتئذ50 متراً وعرضه 28 متراً وعلوّ حائطه مقدار قامة وشبرين تقريباً. وألبس الميرزا النوري القبة بالقاشاني ووسّع الصحن، ونصب شبّاكاً من الفولاذ الأصفر على القبر الطاهر، ورصف الروضة بالرخام الصقيل، وجعل حيطانها مكسوة بالرخام بمقدار دون القامة والبقية بالمرايات ذات الألوان.

8 ـ بنى المجتهد السيّد حسن بن السيد هادي الصدر الكاظمي المتوفّى سنة ( 1355 هـ ) الكيشوانيةَ الغربية في الصحن، وكان يكثر من زيارة المشهد.

9 ـ عمارة الميرزا محمّد الطهراني المتوفّى سنة ( 1371 هـ )، حيث قام بتوسع الصحن وبناء الحجرات الشمالية فيه، وشيد عدة دكاكين وحياضاً، وجاء بمضخّ الماء فاستراح الزائرون، وكانوا مِن قبل يبيتون عشرة أيام أو أكثر لتهيئة أسباب الراحة.

10 ـ بناء عدة غرف وترميمات من قِبل الشيخ هاشم بن الحاج حسب الله الربيعي البلداوي المتوفّى سنة ( 1305 هـ ).

11 ـ عمارة المرجع السيد حسين بن السيّد علي البروجردي (7) بنظارة السيّد حسين بن السيّد محمود القمي، حيث تبرعت جمعية خيرية من أهالي طهران بالأموال الطائلة، فزاد في توسيع الصحن، فجعل طوله من جهة الشرق 78 متراً ونصف المتر، ومن جهة الشمال100 متر، وأنشأ حجرات بلغت سنة ( 1366 هـ ) ( 98 ) حجرة. وإثر وفاة السيّد حسين القمي أشرف على التعمير نجله السيّد محمّد، فهدم الحائط الشرقي الذي كان بين الخان والصحن وبنى ثماني حجرات أُخَر مع خلوتين وسراديب، ورصف الصحن بالسمنت وانشأ رواقاً من جهة شرق الروضة، وهدم الحجرات الجنوبية وفتح باباً كبيراً للصحن، وجلب ثلاثة مضخات للماء، ونصب بعضها خارج المشهد للزراعة والطحين، وجلب ماكنة للكهرباء، وبنى حماماً ومطحنة سنة ( 1379 هـ / 1955 م )، وكان يجلب الرخام من الموصل والجص من سامراء والآجرّ من بغداد والسمنت وأبواب الحجر من إيران.

12 ـ عمارة أهل الخير والإحسان، قامت بها جماعة بجمع الأموال (8) سنة ( 1960 )، واستمر العمل حتى سنة ( 1964 ) فتمّ أصلاح القبة وتوسعة الصحن، وشيدت المأذنة سنة ( 1380 هـ ) على نفقة الحاج زيدان البغدادي، وجُدّدت باب الحمد الرئيسية في الصحن من قبل الحاج عبدالغني بن الحاج مهدي الميرزا البلداوي المتوفّى سنة ( 1963م ).

13 ـ عمارة سنة ( 1390 هـ ) تم فيها هدم الحجرات وبناء طارمات كبيرة محلها، ولم تبق سوى ( 14 ) غرفة في الصحن.

14 ـ نصب الصندوق الذهبي على القبر الشريف، وباب الرواق الذهبية سنة ( 1399 هـ / 1979م ) بعد جلبها من إيران.

15 ـ إنارة الصحن بشبكة كهرباء جيدة قيمتها ( 150 ) ألف دينار سنة ( 1400 هـ / 1980 م ).

16 ـ بناء مأذنة آخرى وترميم القبّة وأعمال صيانة جديدة من قِبل (9) وزارة الأوقاف العراقية سنة ( 1410 هـ / 1990 م )، فجُدّدت بعض الأبنية، ونصب أجهزة تدفئة وتبريد مركزية وثريات كريستال وإكساء الصحن والروضة بالمرمر الأيطالي النفيس.

17 ـ أهدى ثابت بن محمّد بن حسن العلوش الشمّري البلداوي البابَ التي تقابل الداخل إلى الصحن.

قال السيّد محمد آل السيّد جمال الدين بن السيّد حسين الكلبايكاني النجفي المولود سنة 1332 هـ قصيدة في حق أبي جعفر سبع الدجيل عليه السّلام من 39 بيتا، منها:

مرقـدٌ في الـدُّجَيل مَـن زارَه كـان لآل النبي فيـه مـواسي
كم لـه من منـاقبَ قـد تجلّتْ بسَـناهـا للـدهر كـالنبراسِ
لـم أشفّـعْه فـي أمـوريَ إلاّ وقضـاهـا الإله دون مكـاسِ
فاقضِ يا سـيدي حوائـجَ عبدٍ مُـوثَقٍ بالـذنوب والأفـلاسِ
إن تخب في مُناك زُرْه فتحظى عنـده بـالمنى عقيب البـاسِ
( أبو جعفر محمد بن الإمام علي الهادي عليه السّلام، الشيخ محمد علي الأوردبادي ص 134 ).
وقال الشيخ أبو حازم الباوي الكاظمي مأجوراً بتاريخ 24 رجب 1421 هـ:
لمدحك قد غدا يجـري يراعُ ومِن عليـاك تنحطّ التـلاعُ
وأضحى ذكرك المعطار يذكو على الـدنيا وما فيـها يُذاعُ
ضريحُك روضة والناس فيها ببحر النـور يغمـرها شعاعُ
فيـا سبع الدُّجَيل فداك نـاءٍ عن الأوطان أذ عزّت بقـاعُ
إلى ( بلد ) أتـوق فهل تراني أرى مولايَ ينفـضّ النـزاعُ
فيا ابنَ الطهر والنجوى طباعٌ فكم تاقت إلـى النجوى طباعُ

سدنته:
تقوم بسدانة وخدمة المرقد الطاهر منذ عهد بعيد عشيرة القوام التي تنتهي إلى ربيعة الحجاز، وجدها الأعلى الشيخ علي الذي من ذريته عمر وعمران حيث تفرعت العشيرة منهما إلى ( 12 ) فرعاً، منها:

1 ـ ألبو أمين: عقب جدهم أمين: نعمة وطعمة وعلي، فالأول خلف عمران وحبيب ومحمّد هادي وأحمد وسلمان، والثاني خلف الملا عمرو، والثالث خلف حسن وجاسم وعبد.

2 ـ ألبو إبراهيم: عقب جدهم إبراهيم ذكراً واحداً هو علي الذي خلف بدوره: محسن وعباس ومحمّد ومحمود وعبد، فالأول عقب سعيد وإبراهيم ومحمّد رضا، والثاني عقب أحمد ويوسف وعبدالعزيز وأمين، والثالث عقب عون، والرابع عقب فرج وعلي وحسين، والخامس لم يعقب ذكراً.

3 ـ ألبو خلف: عقب جدهم خلف: دبيش وعلي، فالأول ترك علي الذي خلف بدوره طاهر ويوسف ومهدي وشكر، والثاني ترك عباس ومحمّد ومهدي.

4 ـ ألبو طه: عقب جدهم طه: عبدالحسن وحميد وعبد، فالأول ترك فاضل ومحمّد وحسين، والثاني ترك قاسم وصبّار، والثالث ترك أحمد وحسن.

5 ـ ألبو جليل: عقب جدهم عبدالجليل: مهدي وعباس وعبد وسلمان، فالأول ترك عبدالحسن وفرج ومحمّد وعبدالحميد، والثاني ترك هادي، والثالث ترك عايش.

6 ـ ألبو جاسم: عقب جدهم جاسم بن حسين بن علي ( محمّد ) الذي ترك بدوره عبدالغني وعبدالحسين، فالأول عقب صاحب وجعفر وفرج وبرهان ومنير وسعد ومالك، والثاني عقب عامر وعلي وحيدر.

7 ـ ألبو صالح: عقب جدهم صالح: حسن الذي ترك بدوره: علي وحسين.

8 ـ ألبو موسى: منهم بيت عبدالامنة الذي عقب لفتة وعدنان ونايف، وكذلك بيت خادم والد تركي.
وبرز من هذه العشيرة جماعة من الفضلاء والصالحين نخص بالذكر منهم الملا عبد بن علي بن إبراهيم سادن الروضة، والحاج حسن بن علي الأمين والد الملا حميد، وكذلك الملا عبد بن سلمان عبدالجليل، والملا عبدالحسن مهدي الجليل، والملا محمّد هادي بن نعمة الأمين، والملا عمرو بن طعمة الأمين سادن الروضة المتوفّى سنة ( 1984 م )، وعقب ستة ذكور: الملا خليل والحاج محمّد مهدي ومرتضى وأمين ومسلم ومفيد.


وأخيراً نسألكم الدعاء 






أكمل القراءة

مقامات ومشاهد أهل البيت عليهم السّلام في سوريا

مقامات ومشاهد أهل البيت عليهم السّلام في سوريا






ربما كان خافياً على الكثيرين أن سوريا هي من أكثر البلاد الإسلاميّة احتضاناً للمقامات والمشاهد المنسوبة لآل البيت النبوي عليهم السّلام وذراريهم. وقد أحصى المؤرّخون في أنحائها 49 مقاماً ومشهداً أغلبها في دمشق ثم في حلب وباقي المدن والمناطق السورية. الأستاذ هاشم عثمان تتبع في كتابه الحديث « مشاهد ومزارات ومقامات آل البيت عليهم السّلام في سوريا » المصادر التاريخية التي تحدّثت عن هذا الموضوع، وبيّن أنه يوجد في دمشق ومنطقتها 20 مشهداً، وفي حلب ومنطقتها 7، وفي اللاذقية ومنطقتها 4، وفي حماه ومنطقتها 4، وفي حمص ومنطقتها 3، وفي مدن الجزيرة ( ميافارقين، صفّين، بالس، الرقة، نصيبين )11. والعدد الأكبر من هذه المشاهد منسوب لأمير المؤمنين عليّ عليه السّلام12، ثم للحسين الشهيد عليه السّلام 7، ثمّ لزين العابدين عليه السّلام 4، ثم لبقية آل البيت عليهم السّلام لكل واحد منهم مقام.
وإزاء هذه الكثرة من المشاهد تبرز الملاحظات الآتية:
أولاً: إن عدداً من الأضرحة والمراقد المنسوبة إلى بعض الرجال والنساء من آل البيت عليهم السّلام لم تثبت صحة نسبتها إليهم، فيكون حالها كحال المشاهد التي بنيت تبركاً لإقامة بعضهم العابرة محلها، أو لظهور كرامات لهم في هذه الأمكنة كما يورد ويؤكّد المؤرخون.

ثانياً: إذا كان بعض هذه المشاهد قد حظي بعناية المؤرخين ومتابعتهم لما مرّ عليها من تغييرات، فإن بعضها يكاد لا نعرِف عنه شيئاً، لأن المصادر لم تذكره إلاّ بإشارات عابرة كمشاهد أهل البيت عليهم السّلام في مدن الجزيرة السورية.

ثالثاً: هناك مشاهد تغيّرت أسماؤها مع الأيام ولم يعد أحد يعرفها إلاّ من خلال الكتب كبعض مشاهد آل البيت عليهم السّلام في المسجد الأموي.
رابعاً: هناك مشاهد أُزيلت من الوجود بسبب عمليات التوسّع العمراني كمشاهد الأحمر وباب الجنان ومسجد غوث في حلب.

عود على بدء

واستكمالاً لما بدأناه سابقاً من استطلاعات عن المقامات والمشاهد المشرّفة المنسوبة لأهل البيت عليهم السّلام في سوريا نرجو أن يكون ذلك مساهمة متواضعة للتعريف بهذه المشاهد الكريمة وما ترمز إليه وما يمثّله أصحابها من قدوة في الدين والحياة، كما نرجو أن يكون فيه فائدة للمؤمنين الذين تهوي أفئدتهم لهذه الأماكن المشرّفة فيشدّون إليها الرحال من أماكن قصيّة ليتعبّدوا الله تعالى فيها ويتبرّكوا بزيارة أصحابها عليهم السّلام، وهم لا يرجون بعمارتها المادية والمعنوية إلاّ ما عند الله من الثواب والأجر المقبول.
ومما لا شك فيه أن لزيارة قبور الصالحين والمجاهدين معطيات إيمانية و « عقائدية » كثيرة: منها الانشداد إلى الله تعالى، واستلهام المواقف الإيمانيّة والجهادية، وتأصيل الولاء والحبّ لرموز المسيرة الإسلامية الصحيحة، وقد ورد عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام كثيرٌ من الأحاديث التي تحثّ على ذلك، ومنها قول الرسول صلّى الله عليه وآله: « فزوروا القبور فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر بالآخرة ». وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يزور البقيع وشهداء أُحد ويبكي ويُبكي من حوله، وكذلك كانت الصدّيقة فاطمة عليها السّلام تزور قبر عمّها حمزة وتقبّله، وكانت تزور قبور الشهداء بين اليومين والثلاثة، فتصلي هناك وتدعو وتبكي، وعن الإمام الباقر عليه السّلام أنّه قال: « قال رسول الله: من زارني أو زار أحداً من ذريّتي زرته يوم القيامة فأنقذته من أهوالها ».
وإذا كانت النصوص الإسلاميّة التي تؤكّد مشروعية زيارة قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسائر قبور الصالحين والمؤمنين كثيرة وثابتة بأدلة مأخوذة من الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين والعقل، فإن هناك من زعم أنّها لون من ألوان الشرك، حيث حرّم كل زيارة للقبور مهما كان صاحبها، حتّى قبر النبيّ صلّى الله عليه وآله، وقد بيّن الفقهاء من كل المذاهب الإسلاميّة أن هذا التفكير استند إلى روايات غير دالة على مطلوبه، وإلى وجوه استحسانية لا قيمة لها في الاستنباط الفقهي، ومحاذير يُدّعى أنها تترتّب على زيارة القبور وهي غير واردة إطلاقاً.
مقامات ومشاهد مقبرة « الباب الصغير » في دمشق
الباب الصغير هو أحد أبواب سور دمشق القديمة الذي كان قائماً في عهد الدولة الأموية، وكان يقع في الجهة الجنوبية الغربية من السور، وهو يسمّى اليوم باب الشاغور، في حين أن السور لم يعد قائماً. ومنذ ذلك الوقت أقيمت مقبرة مقابل هذا الباب خارج السور سُميت باسمه، وهي من أكبر مقابر دمشق وأشهرها. وقد أصبحت اليوم مع التوسّع العمراني تتوسط المدينة تقريباً، ومدخلها الرئيسي يتفرّع من شارع ابن عساكر عند نقطة باب مصلّى ولها مداخل أخرى.. وما إن تقترب منها حتى تمتد أمام ناظريك مساحة واسعة من الأرض يحيط بها سور طالته عناية حديثة، وفي داخلها تلتصق آلاف القبور التي تشكّل شواهدها غابة كثيفة من الألواح الرخامية أو الاسمنتية المرقّمة. وفي مقدمة المقبرة عند المدخل لجهة الشرق ترتفع مقامات ومشاهد متقنة البنيان متقاربة الشكل ذات قباب مجلّلة باللون الأخضر يغلب عليها عند عامة الناس تسمية مقبرة السبايا. وتُنسَب هذه المقبرة إلى عدد من نساء أهل البيت عليهم السّلام وخاصة سبايا نكبة كربلاء، وكذلك إلى عدد من الهاشميين، كما تضمّ أضرحة بعض زوجات النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وبعض الصحابة والتابعين. وفي مقابل المدخل الرئيسي يقوم منفرداً مقام رؤوس شهداء كربلاء رضي الله عنهم.
ويبعث منظر المقبرة الكبيرة ـ التي تحيط بها أبنية قديمة وحديثة كما يطلّ عليها جبل قاسيون من بعيد ـ على التفكّر بجلال الموت ومهابته، كما يوحي بحضور التاريخ الذي يلقي بظلاله عليها، ولا يخلو الأمر من راحة للنظر الذي يجمع معاً كل تلك الصورة للطبيعة ومدينتي الأحياء والأموات المتراميتين.

وقفة مع التاريخ

قبل الجولة الميدانية على مشاهد ومراقد هذه المقبرة وخاصة ما ينسب منها إلى أبناء وأحفاد وسيدات أهل البيت عليهم السّلام، نستعيد باختصار بعض الوقائع التاريخية التي كانت سبباً في وجودها وإقامتها، وجعلها مقصداً للمحبّين والزوّار والذين تعجّ بهم هذه المشاهد الشريفة وخاصة في مواسم الزيارات المعروفة.
فبعدما حدثت نكبة كربلاء في 10 محرم سنة 61هـ، بفصولها المعبرة والمريعة واستشهد الإمام الحسين عليه السّلام وجميع أصحابه، وفيهم سبعة عشر شهيداً من سلالة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله، جاء الأمر من صانع هذه المأساة يزيد بن معاوية في الشام إلى منفّذها عامله في الكوفة عبيدالله بن زياد بتسيير رأس الحسين عليه السّلام ورؤوس الشهداء التي احتُزّت، وكذلك سبايا أهل البيت عليهم السّلام من النساء والأطفال إلى الشام، بطريقة تظهر الشماتة بهم، وتبيّن ما حققه هو من نصر مزعوم. وهكذا بعد عرض الشماتة والانتصار الذي أقامه عبيدالله في الكوفة والذي ارتدّ عليه عاراً ومهانة أمام أهلها بعد استفاقتهم من هول ما فعلوا بذرية النبيّ صلّى الله عليه وآله، كلّف أوّلاً زحر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة بأخذ رأس الحسين عليه السّلام ورؤوس ستة عشر من آله وأصحابه إلى دمشق، حيث حملوها على رؤوس الرماح وساروا بهم قبل السبايا، ثم بعد ذلك كلّف بعض قادة جيشه الموغلين في الإجرام والسفه أمثال عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وخولّي بن يزيد وسنان ابن أنس وغيرهم بموافقة السبايا، ومعهم العليل الإمام علي بن الحسين عليه السّلام فحملوهم على الأقتاب، وما لبث موكب السبايا أن التحق بموكب الرؤوس في الطريق الذي يبتدئ من الكوفة متّجهاً إلى الشمال مارّاً ببغداد ثم تكريت ثم الموصل، ثم ينعطف غرباً إلى تل أعفر وسنجار حتى نصيبين وعين الوردة، ثم يمرّ من الرقة ومسكنة حتى حلب، ثم ينحني إلى الجنوب ماراً بقنّسرين وكفرطات وشيزر وحماة وحمص ثم جوسية ثم بعلبك حتى دمشق.
وقد قصدوا من تطويل وتكثير تعرّجاته المرور بأكبر عدد من المدن والبلدان لإعلام أهلها بالنصر الذي تحقق ليزيد على الحسين عليه السّلام وإظهار فرح الناس بذلك. ولكن الأمر تحوّل فيما بعد عكس ما أمّل يزيد وزبانيته حيث وفي كل مدينة دخلها رأس الحسين عليه السّلام والسبايا وفي كل محطة وُضعوا فيها، تحوّل ذلك الموضع الذي ظهرت فيه كرامات إلى مزار ومقام ما زال محلاً للتقديس حتى اليوم.
ولما اقترب موكب الرؤوس والسبايا من دمشق خرج يزيد لملاقاته عند ثنية العقاب، وقد أمر بعدم دخولهم المدينة حتى يتم تزيينها لإقامة الأفراح بالانتصار على سيد شباب أهل الجنة!! ولذلك جيء بالرؤوس والسبايا إلى مقبرة باب الصغير حيث كانت مكاناً مناسباً لإنزالهم، لأنه عبارة عن منطقة حصى وحجارة وليس فيه أيّ بنيان وسكن، فبات السبايا هناك ثلاثة أيام، ولذلك فإنّ ما يُنسب هناك من مراقد للسبايا، إنما هي في الأغلب مشاهد وليست قبوراً لهم مثل مشهد سكينة وأم كلثوم عليها السّلام، إذ ليس هناك أيّ سند تاريخي يشير إلى وفاة هاتَين السيدتَين أثناء وجود السبي في دمشق، أو يشير إلى رجوعهما فيما بعد. وما تعظيم هذه الأمكنة في نظر المحبين لأهل البيت عليهم السّلام وإقامة المشاهد فيها إلاّ بسبب نزول السبايا وإقامتهم المؤقتة فيها، وهم في حالة من الاضطهاد والظلم تقرّح الأكباد.
ثم بعدما أقيمت مراسم الفرح والابتهاج من قبل الأمويين أُذِن للسبايا والأطفال ومعهم الإمام زين العابدين عليه السّلام بدخول دمشق ومجلس يزيد، ثم أسكنوهم بعد ذلك في خربة شمالي شرق المسجد الأموي عند باب الفراديس، فباتوا فيها عدة أسابيع قبل أن ينقلهم إلى قصره ويعودوا إلى مدينة جدّهم المنوّرة.
أما رأس الحسين عليه السّلام فقد نُصب على باب مسجد دمشق فترة من الزمن ثم أعاده يزيد إلى قصره. وقد ذُكِر في مكان دفنه روايات متعددة، ولكنّ بقية الرؤوس، وبعدما عُلِّقت على أبواب دمشق أياماً، أعيدت إلى مقبرة باب الصغير ودفنت فيها.

مقام رؤوس الشهداء رضي الله عنهم

على يمين مدخل المقبرة الرئيسية في باب الصغير مقبرة صغيرة مسوّرة تحتضن مقام رؤوس شهداء كربلاء، وهي غرفة كبيرة مرّبعة مبنيّة من الحجر الصخريّ الأبيض والأسود تعلوها قبّة بيضاء، ولها مدخل حسن معقود، تتوسّطه لوحة رخامية نُقِش عليها ما يلي:
وفتيةٍ من بني عدنانَ مـا نظـرَتْ عين الغزالة أعلـى منهـمُ حَسَبـا
من كلّ جسم بوجهِ الأرضِ منطرحٍ وكلّ رأس برأس الرمح قد نُصِبـا
هذا مقام رؤوس الشهداء الستة عشر من أهل العبا، الذين استُشهِدوا يوم طفّ كربلاء مع الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب عليهم السّلام. تشيّد هذا المقام المقدّس بمساعي السيّد سليم أفندي قائمقام مراقد أهل البيت عليهم السّلام في شوال سنة 1330هـ ».
وما أن تدخل الغرفة حتى يطلّ عليك قفص مهيب مصنوع من الفضة، يعلوه تاج مطليّ بالذهب نُقشت عليه آيات قرآنية وأبيات من الشعر الحسيني المتفجّع. وقد وضع هذا القفص حديثاً سنة 1414هـ من قبل أمير الإسماعيليين البهرة المدعو أبو القائد جوهر محمد برهان الدين الفاطمي، بعدما أُزيل القفص القديم.
وداخل القفص أقيم شكل ضريح مغطّى بالقماش صُفّت عليه لفافات صغيرة من القماش الأخضر ترمز إلى رؤوس الشهداء المدفونة تحته وعددها ستة عشر، كما صُفّت أشكال أخرى أصغر منها من قماش أحمر ترمز إلى رؤوس شهداء كربلاء وعددها 72 شهيداً. جوّ الحزن والأسى على ما لاقى هؤلاء الشهداء العظام من الظلم والتنكيل والإكبار لهم على تضحياتهم وبطولاتهم يسيطران على زوار هذا المقام، الذين بعدما يتلون ما تيسّر من القرآن الكريم والأدعية يقرأون الزيارة بانكسار ونحيب لا يخفى، ولا يملكون منع أنفسهم منه.
وبالإضافة إلى المعلومات التاريخية التي تتحدث عن دفن الرؤوس في هذا المقام، فإن حادثة عجيبة لها طابع الكرامة، روى لنا قصتها الأستاذ المؤلِّف لبيب بيضون تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك صحة دفنهم في هذا المكان حيث قال:
« ذكر لي أحد الثقاة من الذين عاصروا متولّي مقامات أهل البيت عليه السّلام في الباب الصغير السيّد سليم مرتضى، قال: تهدم حائط مشهد رؤوس الشهداء فأراد السيّد سليم إصلاحه وتقوية أساسه، فجاء برجل مسيحي ينحت الأحجار، وكان يأتي صباحاً باكراً يعمل حتى العصر حيث يأتي السيّد سليم ويرى عمله.
قال السيّد سليم رحمه الله: وفي يوم من الأيام جئت فوجدت المسيحيّ قد جمع أغراضه في السلّة يريد إنهاء عمله، قلت: ما بك ؟ قال: إذا أنا أردت الاستمرار في العمل عندكم فأخاف أن أترك ديني وأصير مسلماً! قلت: لماذا ؟ قال: البارحة بينما كنت أحفر التراب حول مقام رؤوس الشهداء لأضع الأحجار الجديدة، انفتحت أمامي ثغرة، نظرت منها فإذا بي أرى غرفة فيها عدّة رؤوس بعضها أمرد وبعضها بلحية، وبعضها مغمّض العينين، وأحدها معصّب رأسه.
ثم جاء السيّد ونظر في الكوّة فرأى الرؤوس وعددهم ستة عشر رأساً، مصفوفة على شكر دائرة، وكأنها مدفونة لساعتها، كل رأس منها بشحمه ولحمه لم يُصبه أي فساد أو بِلى والدماء ظاهرة عليه، ثم سدّ المسيحي الثغرة ورحل». فسبحان الله وجلت قدرته!
والرؤوس المدفونة هناك هي:
من الأصحاب: حبيب بن مظاهر رضي الله عنه، ومن الآل: علي بن الحسين الأكبر عليه السّلام، والقاسم بن الحسن عليه السّلام، عبدالله بن الحسن عليه السّلام.
ومن أبناء الإمام علي عليه السّلام أبو الفضل العباس عليه السّلام، عبدالله بن علي عليه السّلام، جعفر بن علي عليه السّلام، عثمان بن علي عليه السّلام، محمد بن علي عليه السّلام، عمر بن علي عليه السّلام، أبو بكر بن علي عليه السّلام.
ومن أولاد عقيل: جعفر بن عقيل رضي الله عنه، عبدالله بن عقيل رضي الله عنه، محمد بن مسلم بن عقيل رضي الله عنه.
ومن نسل جعفر الطيار عليه السّلام: عون ومحمد ابنا عبدالله بن جعفر.
ويحوي صحن المقام أيضاً مسجداً صغيراً أُعيد بناؤه حديثاً، ويسمى مسجد الإمام زين العابدين عليه السّلام، ويُذكَر أن الإمام صلّى في هذا المكان بعد دفن الرؤوس.
كما يوجد في فناء المقام مدافن متولّي المقامات من السادة آل مرتضى، وأولهم السيّد سليم الذي أشرف على أبنيتها الحاضرة، وحفيده ما زال هو المتولّي الحالي عليها.

مدخل خاص وأضرحة

وننتقل إلى الجهة المقابلة لمقام رؤوس الشهداء، بعد أن نقطع الطريق الفاصل حيث توجد مجموعة أضرحة ومشاهد عائدة لآل البيت عليهم السّلام والصحابة، ونبدأ بالمدخل الخاص الذي يؤدي إلى غرفة قديمة البناء تعلوها قبة خضراء صغيرة، وفوق الباب ثبّتت رخامة نقش عليها عبارة: « هذا ضريح زوجة سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله. جدّد بناء هذا المقام المبارك السلطان الغازي عبدالحميد خان ثاني سنة 1327هـ »، وفي مكان آخر كتب: « هذا ضريح السيدة أم حبيبة زوجة سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله ». والسيدة حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها الذي أسلم ثم تنصّر وارتدّ، فخطبها النبيّ صلّى الله عليه وآله من النجاشي ملك الحبشة الذي احتفل بالمناسبة وأصدقها مهراً ثمّ أرسلها للنبيّ صلّى الله عليه وآله.
وتذكر كتب التاريخ أنها توفيت بالمدينة سنة 44هـ، ولا يُعلم سبب وجود ضريح لها في هذه المقبرة.
وهذا ينطبق على الضريح المجاور الذي يشبهه في الشكل والمنسوب إلى السيدة أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد، واسمها رملة أو هند. وكانت هي أيضاً قد أسلمت وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة ثم قدما إلى المدينة، حيث تُوفّي عنها، وتزوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله.
كما يوجد في مكان آخر من المقبرة ضريح في غرفة أكثر إتقاناً لحفصة زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله.
ومن بوابة أخرى مجاورة لضريحي السيدتين أم حبيبة وأم سلمة ندخل إلى فناء مقام السيد عبدالله ابن الإمام زين العابدين عليه السّلام. والمقام بناء مرتفع مربع الشكل مبني من الحجر الصخري الأبيض والأسود تعلوه قبة خضراء واسعة وداخله الضريح المغطّى بقفص. والجدران من الداخل كما القبة مزيّنة بنقوش إسلامية وخطوط فنية تتضمن آيات قرآنية وأحاديث شريفة وأسماء المعصومين الأربعة عشر عليهم السّلام. وإلى جوار هذا المقام المحاط بسور منفرد يقع ضريح مؤذن الرسول صلّى الله عليه وآله الصحابي عبدالله ابن أم مكتوم ضمن غرفة مبنية من الحجر الأسود.

مشاهد السبايا وبعض الهاشميين والصحابة

مدخل حديث مبني من الحجر الصخري الوردي نقشت فوق بوابته آية التطهير واسم الجلالة وأسماء أصحاب الكساء عليهم السّلام، يقود إلى مقام السيدتين سكينة بنت الإمام الحسين عليه السّلام وزينب الصغرى الملقبة بأم كلثوم بنت الإمام عليّ عليه السّلام، وهو المقام الأضخم في مقبرة باب الصغير الذي يشاهده الزائر من بعيد، ويميّزه قبابه الثلاثة الكبيرة ومنارته المطلية جميعها باللون الأخضر.
جدران المقام الخارجية مبنيّة من مداميك بيضاء وسوداء من الحجر الصخري، ومدخله مبنيّ من الرخام الوردي الجميل، تعلوه رخامة بيضاء نقش عليها البيتان الشهيران للشافعيّ في مدح آل البيت عليهم السّلام. وتاريخ إعادة تشييد البناء سنة 1330هـ بمساعي المتولّي المرحوم السيّد سليم مرتضى، أما في الداخل فإن القبتين اللتين تعلوان الضريحين المنسوبين للسيدتين وكذلك الجدران كلها مزينة بالزخارف والنقوش الإسلامية البديعة والمقرنصات والمرايا، وبالخطوط التي تحتوي على آيات قرآنية نزلت في أهل البيت عليهم السّلام وأحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله الشريفة بحقهم وأسماء المعصومين الأربعة عشر الأطهار عليهم السّلام.
ونأتي إلى ضريح السيدة سكينة عليها السّلام فنجده مغطى بقماش أخضر مشغول وعليه صندوق خشبي يُذكر أنه صُنِع في العهد العباسي، وقد حفر عليه بالخط الكوفي المشجّر آية الكرسي وآية أخرى وعبارة « هذا قبر سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين وعلى آلهم الطاهرين ».
وسكينة عليها السّلام المشهورة بهذا اللقب هي في الواقع آمنة بنت الإمام الحسين عليه السّلام، وهي أخت عبدالله الرضيع وأمهما الرباب. ويؤكد أكثر المؤرخين أنّها توفيت بالمدينة سنة 117هـ، وهناك من ذكر أنها رجعت إلى الشام وهو قول ضعيف.
ووصفها المؤرخون بأنّها كانت سيدة من العقل الوافر والأدب والظرف والسخاء والفضل بمنزلة عظيمة، وقد أكثر المؤرخون الأمويون من الروايات المدسوسة التي تُنسَب إليها بما لا يليق بشأنها من التصرفات بقصد الإساءة إليها وإلى أخيها الإمام زين العابدين عليه السّلام.
وقد حضرت وقعة الطف مع أبيها عليه السّلام وشاهدت مصرعه. وروى ابن طاووس في كتاب الملهوف أن سكينة اعتنقت جسد أبيها عليه السّلام بعد مقتله، فاجتمع عدة من الأعراب حتى جرّوها عنه، وأُخذت بعد ذلك مع الأسرى والرؤوس إلى الكوفة ثم إلى الشام، ثم عادت مع أخيها الإمام زين العابدين عليه السّلام إلى المدينة.
اما ضريح السيدة زينب الصغرى بنت الإمام علي عليه السّلام الملقّبة بأمّ كلثوم، والموجودة تحت القبّة الأخرى فهو مشابه لضريح السيدة سكينة، وقد ذكر أنها كانت زوجة لمسلم بن عقيل مبعوث الإمام الحسين عليه السّلام إلى الكوفة والذي استشهد على يد عبيدالله بن زياد قبل وصول الإمام عليه السّلام إلى كربلاء، ولها منه بنت اسمها حميدة. وقد رافقت أخاها الإمام الحسين عليه السّلام في رحلة الشهادة إلى جنب أختها زينب الكبرى عليها السّلام، وكان لها مواقف وخطب مشهورة أثناء السبي في الكوفة وفي الشام، والتشكيك يطال مدفنها أيضاً في هذا المكان.
ومما يجدر ذكره أن هناك سرداباً تحت أرض المقام يوجد فيه أيضاً ضريحان من الرخام موازيان للضريحين الرمزيين في الأعلى، ولذلك يسود الاعتقاد ـ ويغلب الظنّ ـ بأن هذا المقام وسواه من المقامات قد بنيت تبرّكاً بمكوث السبايا والأسرى وأهل بيته في هذا المكان، وتقديراً وتكريماً لقربهم من الله تعالى ولجهادهم وصبرهم على أذى الأمويين في سبيل الدين، ولذلك فإن زوار هذه المقامات يذكرون بحنين ولوعة واستنكار ما جرى لهنّ ولشهداء كربلاء أثناء تلاوة الزيارة، سائلين المولى أن ينيلهم شفاعتهم وشفاعة الحسين وجدّه صلّى الله عليه وآله وأبيه وأمه عليهم السّلام يوم القيامة.
ونخرج من هذا المقام لنجد لوحة سجّلت عليها أسماء أصحاب القبور أو المشاهد على المدخل المؤدي إليها جميعاً، وهي مقامات تكاد تكون متشابهة في شكل البناء الخارجي، إذ هي غرف كبيرة عالية مبنية من الحجر الصخري الأبيض أو الأسود أحياناً، ومداخلها وردية مقوّسة عليها رخامة تذكر اسم صاحب المقام وتاريخ تشييده، وقبابها مطلية باللون الأخضر. أما من الداخل فإن القباب والجدران مزينة بالزخارف الإسلاميّة وعليها خطوط فنية تتضمن آيات قرآنية كريمة وأحاديث شريفة وردت بحق أهل البيت عليهم السّلام، وكذلك أسماء المعصومين: النبيّ صلّى الله عليه وآله والزهراء عليها السّلام والأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام. وفي كل مقام خادم يهتم بالمقام ويرشد الزوار الذين لا ينقطعون عن التوافد في كل الأيام وخاصة في مواسم الزيارة.
وأول ما يطالعنا من هذه المجموعة مقام السيدة فاطمة الصغرى كريمة الإمام الحسين عليه السّلام حيث يوجد ضريحان واحد علوي رمزي وآخر في السرداب. والسيّدة فاطمة كانت عالمة فاضلة تزوجت ابن عمها الحسن المثنى ابن الإمام الحسن عليه السّلام فولدت له عبدالله وإبراهيم وحسناً وزينباً، وذُكر أن الحسين عليه السّلام لما زوّجه إياها قال له: « قد زوجتك فاطمة؛ فإنها أشبه الناس بأمي فاطمة عليها السّلام بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله »، وكانت من السبايا.
بعده يأتي مقام وضريح السيّد عبدالله بن جعفر الطيار رضي الله عنه، ثمّ مقام يضم ثلاثة أضرحة لنساءٍ هُنّ:
ـ أسماء بنت عُميس زوجة جعفر بن أبي طالب ( الطيّار ) وهي من المهاجرات السابقات إلى الإسلام، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها رضي الله عنه فولدت له عبدالله ومحمداً وعوناً. وبعد عودتهما إلى المدينة استشهد جعفر في مؤتة فتزوّجها أبو بكر، فولدت له محمد بن أبي بكر، ثمّ تزوّجها بعده الإمام علي عليه السّلام فولدت له يحيى وعوناً، وتاريخ وفاتها سنة 65هـ.
ـ السيّدة ميمونة بنت الإمام الحسن بن علي عليه السّلام تاريخ وفاتها سنة 85هـ.
ـ حميدة بنت مسلم بن عقيل وأمها فاطمة الصغرى أم كلثوم بنت الإمام علي عليه السّلام.
.. وأخيراً هناك بناء مماثل يضم ضريحي الصحابيَّين: بلال الحبشي مؤذن الرسول صلّى الله عليه وآله، وكانت وفاته سنة 20هـ، وضريح السيّد عبدالله بن جعفر. وليس معلوماً إن كان هو ابن الإمام الصادق عليه السّلام أو من أحفاده كما يذكر ياقوت الحموي، وتذكر الكتب التاريخية قبوراً أخرى لمتوفَّينَ من آل البيت عليهم السّلام وأحفادهم في هذه المقبرة.

مشاهد في الطريق إلى حلب

تنطلق بك السيارة من دمشق إلى حلب على طريق واسع حديث غُرست على جانبيه الأشجار التي تبعث في النفس الراحة، كما تبعثها أيضاً السهول الخضراء المنبسطة المزروعة بأنواع الخضار والحبوب والأشجار المثمرة فتخفف عنك عناء السفر وطول الطريق الذي يبلغ حوالي 400 كلم.
النبك: هي أول مدينة تطالعك في الطريق، وتقع بين دمشق وحمص في سهل زراعي ممتد. وقد ذكر عبدالغني النابلسي في كتابه: « الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشام ومصر والحجاز » أن فيها مسجداً صغيراً يقال له مقام فاطمة الزهراء عليها السّلام يزوره الناس ويتبركون به.
أما حمص التي تقع في منتصف الطريق بين دمشق وحلب فهي مدينة مزدهرة زراعياً وتجارياً وعمرانياً، وفيها مشهد للإمام عليّ عليه السّلام يوجد فيه عمود فيه موضع إصبعه، وذلك لمنام رآه بعض الصالحين كما يذكر ياقوت الحموي في كتابه « معجم البلدان ». وفيها مقام لجعفر الطيار رضي الله عنه في منطقة باب الدريب، وقبران لولدين له تحت قبة معقودة، كما أن فيها قبر سفينة مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله، وكذلك قبر قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السّلام.
بعد حمص تمرّ الطريق في حماه الواقعة على نهر العاصي، وهي مدينة تاريخية عريقة تشهد حديثاً نمواً وتطوراً، وفي داخلها وجوارها العديد من الآثار والمنشآت الدينية القديمة، منها:
ـ مقام في جامع الحسين المعروف بجامع الحسنين، يقال إنه موضع رأس الحسين عليه السّلام حينما مُرّ به من كربلاء إلى دمشق، ويقع بين حي الباشورة والمدينة.
ويتألف هذا الجامع من صحن مركزي ورواقين في الشرق والشمال، وحرم في الجنوب، وتعلوه قبتان شرقية وغربية. وعليه تاريخ يعود لسنة 552هـ حين أمر بإعادة بنائه الملك العادل نور الدين زنكي، وكتابة أخرى هذا نصها: « جدّد المشهد الشهير برأس الحسين عليه السّلام نزهة أبصار أحمد آغا (...) سنة 1023هـ ».

مقام الإمام زين العابدين عليه السّلام قرب حماة

بد أن تخرج من مدينة حماة، وعلى بعد بضعة كيلومترات ـ حوالي 7 كلم ـ يطالعك على يمين الطريق جبل يتراءى في قمّته مَعْلَم إسلامي مشرق ببياضه.. إنه مقام الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السّلام، الذي يُذكر أنه صلى في هذا المكان الذي كان محطة عابرة لمرور رؤوس شهداء وأسرى كربلاء قبل الوصول إلى حماة، ولذلك أقيم هذا المشهد تبرّكاً بنزول الإمام عليه السّلام وصحبه فيه، وظلّ محل تعظيم واهتمام من قبل الناس وبعض الحكام.
تصعد إلى المقام بالسيارة عبر طريق خاص تشير إليها لافتة على الطريق العام. ومع أن الوقت لم يكن مناسبة زيارة فإن العديد من الزوار وجدناهم أمّوا رحابه وقد جاءوا من حماة وجوارها ومن بلدان عربية وإسلامية عديدة.
بناء المقام التاريخي طالته يد التجديد في أزمنة مختلفة، يدل على ذلك بعض الكتابات المحفورة فوق بعض الأبواب، أحدها يشير إلى أن السلطان المملوكي الأشرف أبو النصر قايتباي قد أمر بعمارته سنة 883هـ، وأخرى تشير إلى تجديدات جرت سنة 985هـ. وهناك أعمال تجديد حديثة وتوسعات أخرى ينوي ـ كما علمنا ـ بعض أهل الخير إضافتها إلى المقام حتى يصبح قادراً على استقبال الزوّار الكُثْر.
والمقام يتألف داخله حالياً من حرم، بوجهته الجنوبية محراب للصلاة تزيّنه زخارف، ويستر الواجهات قماش أخضر وأحمر. ويضمّ القسم الشرقي منه قبراً رمزياً مغطّى بقماش أخضر. ويرتفع فوق هذا الحرم قبتان احداهما أكبر من الأخرى مزينتان من الداخل بزخارف إسلامية، ومطليتان من الخارج باللون الأبيض، ويتقدم من الخارج رواق تحيط به غرف لإيواء الزوار، ويتألف بناؤه من فناءَين متّصلين معاً، مبنيين من حجارة كلسية. وللمقام مدخلان يطلان على الباحة، الرئيسي منهما تعلوه قنطرة كبيرة من تحتها مصطبة للجلوس ذات طراز مملوكي متأخر.
وأخيراً وأنت تجول بين الزوار المنتمين إلى مختلف المذاهب الإسلاميّة تجدهم بين متهجّد بصلاة ودعاء، وبين قارئ للكتاب الكريم أو الزيارة المخصّصة، للحصول على مزيد من الأجر والنشوة الروحية التي يوفرها هذا المكان الطاهر، وكلهم يجمعهم حبّ آل البيت عليهم السّلام والأسى لحالهم جرّاء ما لحقهم من ظلم الأمويين وأتباعهم.

مشهدا رأس الحسين عليه السّلام والمحسن في حلب

يحسّ زائر مقامات ومشاهد أهل البيت عليهم السّلام في سوريا بغضاضة إذا لم يزر حلب ومشاهدها المشرّفة، وإذا ما تسنّى له ذلك فإنه يكون قد ظفر بالزيارة المباركة وبمشاهدة هذه المدينة الهامة والحاضرة التاريخية الكبرى في شمالي سوريا التي تبعد 50 كلم عن الحدود التركية والتي تعدّ ثاني المدن السورية من حيث عدد السكان ومن حيث المكانة الاقتصادية والثقافية. افتتحها المسلمون سنة 16هـ، وفي سنة 333هـ وصلها سيف الدولة الحمداني وأنشأ فيها الدولة الحمدانية، فأصبحت مركزاً ثقافياً وعسكرياً، ومنها انطلقت جيوشه لصدّ هجمات الصليبيين، وفي زمانه انتشر التشيّع والولاء لأهل البيت عليهم السّلام في حلب وأنحائها، ولم ينحسر فيما بعد إلاّ بسبب ضغوط وتعصّب الأيوبيين ومن جاء بعدهم.
بعد زيارة مقام الإمام زين العابدين عليه السّلام في حماه، هنالك حلب التي تطالعك معالمها المتمثّلة بالمصانع والمجمّعات السكانية الحديثة المتفرّقة، قبل مسافة طويلة من الوصول إلى مركز المدينة. وبعد وصولنا قمنا بجولة قصيرة في بعض معالمها الدينية والتاريخية والسياحية وهي كثيرة، وأبرزها: القلعة التاريخية الشهيرة التي تنتصب في وسط المدينة على تلة عالية مستديرة. وبإمكانك أن تشاهد من مرتفعها المدينة متحلّقة حولها، ولكن لا تقع عينك على أطرافها في بعض الجهات لاتساعها، ويلفت نظرك وأنت تُجيله في أنحائها كثرة المساجد الحسنة البناء، المرتفعة المنائر. والقلعة المهيبة نفسها التي مرّت بأدوار تاريخية عديدة تخضع لأعمال ترميم مستمرة للحفاظ عليها كمَعلَم تاريخي وسياحي بارز. ونتوجه لصلاة الظهر في مسجد حلب الكبير وهو مسجد تاريخي تكثر فيه العقود والأعمدة، ويتميز بباحته الواسعة جداً، ويوجد داخله مقام منسوب لرأس النبيّ يحيى بن زكريا عليه السّلام يزوره الناس ويتبركون به، وإلى جوار هذا المسجد يقع سوق حلب القديم الشهير وهو يتميز بسقوفه المعقودة وضيق طرقاته وبشدة ازدحامه وكثرة أجنحته وتعدّد أنواع معروضاته وبضائعه.
بعد هذه الجولة السريعة التي انتهت بجلسة استراحة في حديقة أبي فراس الحمداني، أوسع حدائق حلب وأفخمها، كان الشوق يدفعنا لزيارة المقام المشرّف لرأس سيدنا الإمام الحسين عليه السّلام الذي يسميه الناس مسجد النقطة، لأنّ نقطة دمٍ من الرأس الشريف ذُكر أنّها سقطت على الحَجَر الذي وُضِع عليه في هذا المكان. وهذا الحجر ما زال موجوداً داخل المقام ضمن قفصٍ مذهّب، وموضع النقطة ما زال بادياً عليه.
وقد ذكر عن سبب إقامة هذا المشهد أن أهالي حلب رفضوا؛ استنكاراً لجريمة مقتل الحسين عليه السّلام وأنصاره، أن يستقبلوا موكب رؤوس الشهداء والأسرى والسبايا وهو في طريقه من كربلاء إلى الشام، مع مرافقيه من زبانية يزيد الذين كانوا يتوقون أن تستقبلهم حلب بالزينة والترحاب، ولكن بعدما أغلق الأهالي أبواب المدينة في وجههم، اضطُرّ هؤلاء لأن يبيتوا ليلتهم مع الرؤوس والأسرى في دير يقع على سفح جبل مطل على حلب لجهة الغرب، وهو ما سُمّي فيما بعد بجبل جوشن نسبة إلى اللعين شمر بن ذي الجوشن الذي كان يقود الموكب.
وقد ذُكر أن الراهب النصراني المسؤول عن الدير لمّا علم مَن هم أصحاب الرؤوس والسبايا هاله الأمر، واستفظع هذه الجريمة، وطلب من شمر ـ بعدما أغراه بالمال ـ أن يسمح له بوضع رأس الحسين عليه السّلام في مذبح الدير ليبيت هو معه تلك الليلة. وقد شاهد هذا الراهب في الليل من الكرامات للرأس الشريف ـ ومنها نقطة الدم ـ ما جعله يصبح معلناً إسلامه. ومنذ ذلك الحين أصبح هذا الموضع محل اهتمام المسلمين يزورونه ويتبرّكون به ويتذكّرون عنده آلام أهل البيت عليهم السّلام. وقد تحوّل من دير إلى مقام ومسجد مشهود، كانت تطاله يد العناية في أزمان والإهمال في أخرى.
وممن اهتم بعمرانه الحمدانيون، وقد شهد تجديدات هامة في زمن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين، ففي سنة 573هـ وبعد ظهور كرامة للحسين عليه السّلام شهدها الحلبيون في موضع المقام الذي كان دارساً، بادروا إلى بنائه بمساعدة الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين. وقد زاره صلاح الدين يوسف لمّا مَلَك حلب وأطلق له عشرة آلاف درهم، ولما ملك ولده الظاهر حلب اهتم بالمشهد ووقف عليه وقفاً، وجعل نقيبَ الأشراف العالم الشيعي شمس الدين أبا أعلى بن زهرة الحسيني ناظراً عليه. ولما ملك ولده العزيز حلب استأذنه القاضي بهاء الدين بن الخشّاب في إنشاء حرم فيه بيوت يأوي إليها من انقطع إلى هذا المشهد، فأذن له.
واستولى التتار على حلب قبل أن يتم البناء، وقد دخل هؤلاء المشهد فأخذوا ما فيه من نفائس وذخائر وشعثوا بناءه ونقضوا أبوابه. ولما ملك السلطان الظاهر حلب جدّده وأصلحه ورتّب فيه إماماً ومؤذناً وقيّماً، وبقي بعد ذلك مدة مهملاً إلى أن عاد الاهتمام به أواخر القرن الماضي حيث أصبحت تقام فيه الاحتفالات الدينية التي كان يحضرها رجال الحكومة العثمانية والأعيان والعلماء، وقد أهدى له السلطان عبدالحميد ستاراً حريرياً مزركشاً بآيات قرآنية وُضِع على المحراب، كما جدّد ترميم أرض الصحن ورتّب له إماماً ومؤذناً وخادماً.
ونقترب من المقام المشرّف القائم على سفح الجبل في حي الأنصاري، فنجد فيه بناء تاريخياً شامخاً يطلّ ببهاء بقبابه وحجارته الكلسية الكبيرة المنحوتة وبمظلّته القرميدية الحديثة التي سُقِّفت بها باحته الداخلية، وحوله فراغ من الأرض هي أوقاف له، وندخل من بوابة قديمة فنجد ساحة واسعة حديثة الترميم، وحولها غرف بنيت مؤخراً لإيواء الزوار.
أما عمارة المشهد التي كانت تعتبر من أروع المباني الأيوبية والتي رممت وأعيدت على ما كانت عليه سابقاً، فتدخلها من باب ترتفع فوقه قنطرة تتدلّى منها مقرنصات جميلة وكتابات قديمة محفورة بخط نسخي أيوبي: بسملة.. وعبارة « اللهم صلّ على محمد النبيّ، وعليّ الوصيّ، والحسن المسموم، والحسين الشهيد المظلوم، وعليّ زين العابدين، ومحمد الباقر علم الدين، وجعفر الصادق الأمين، وموسى الكاظم الوفي، وعليّ الطاهر الرضيّ، ومحمد البر التقيِّ، وعليّ الهادي النقيّ، والحسن العسكريّ، وصاحب الزمان الحجة المهدي (عج)، واغفر لمن سعى في هذا المشهد بنفسه ورأيه وماله ».
وعلى نجفة الباب الداخلي يوجد: « بسملة.. عُمّر مشهد مولانا الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام في أيام دولة الملك الظاهر العالم العادل سلطان الإسلام والمسلمين سيد الملوك والسلاطين، أبي مظفر الغازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب ناصر أمير المؤمنين في شهور سنة ست وتسعين وخمسمائة ».
ويواجهك عند الدخول الواجهة الغربية للباحة السماوية التي سقفت حديثاً بالقرميد والزجاج، وهي الواجهة الفخمة والجميلة البناء والتي تعلو عقداً عالياً يضم القفص الذي يحمي الحجر الذي وضع عليه رأس الحسين عليه السّلام، حيث يتحلّق حوله الزوار يلتمسون منه البركة ويظهرون عاطفتهم ومحبّتهم لأهل البيت عليهم السّلام، ويتوجهون إلى الله من خلالهم لقضاء حوائجهم. وعلى رأس هذه الواجهة لوحة كبيرة نقشت عليها البسملة وأسماء المعصومين الأربعة عشر عليهم السّلام. والواجهة الجنوبية يحتلها المصلّى المستطيل الشكل الذي تعلو سقفه الحجري ثلاث قباب، واحدة منها كبيرة فوق المحراب، وكلها مزيّنة بمتدلّيات ومقرنصات جميلة.
وفي الجهة الشمالية للصحن رواق واجهته عبارة عن ثلاث قناطر، وتعلو الرواق ثلاث قباب تستند إلى زوايا مثلثية كرويّة، ترتكز على أكتاف أربع قناطر متقابلة داخل الرواق. أما في الجهة الشرقية الشمالية من هذا الرواق فممرّ مسقوف يؤدي إلى المطبخ. وأما الجهة الشرقية فتضم المدخل وأربع غرف. وفي الزاوية الشمالية الغربية يوجد ممر مسقوف ينتهي إلى قاعة كبيرة تؤلف وحدة معمارية متكاملة. وإلى جانبها لجهة الغرب غرفتان استُغِلّتا لإقامة مكتبة عامة تحتوي مجموعة كبيرة من الكتب المتعلّقة بأهل البيت عليهم السّلام وتعجّ بالشباب المطالعين. وكان هناك مقابلة مع إمام المسجد والقيّم على المقام وراعي نشاطاته الثقافية والاجتماعية فضيلة الشيخ إبراهيم نصر الله وهو عالم شيعي على مذهب الإمام الصادق عليه السّلام من بلدة « نبَّل » الكائنة في نواحي حلب. وقد تحدّث عن إعادة بناء المقام فذكر أن هذا المقام كان قد دُمّر أكثره بعد الحرب العالمية الأولى لأنه استُعمل كمستودع للذخيرة من قبل الحلفاء، وبعد انتهاء الحرب في 22 تموز 1919م ذهب الألوف من الناس لأخذ السلاح والذخائر منه وفي الأثناء انفجرت قنبلة فجّرت جميع الذخائر وخُرِّب المشهد وقُتل المئات تحت الردم.
وفي عام 1960 قام جمع من علماء المسلمين الشيعة وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم الحاج حسين ـ الذي توفي مؤخراً وقبره في باحة المقام الخارجية ـ والشيخ إسماعيل الحاج حسين، والمرحوم الشيخ عباس الحاج خليل، بتأسيس جمعية بهدف إعادة بنائه والاهتمام به، فاستحصلت على رخصة وإذن دائم من أوقاف حلب بالإشراف على المقام وإعادة بنائه. وقد اتصلت اللجنة بالمرجع الديني المغفور له السيّد محسن الحكيم (قده) الذي شجّع الفكرة وأذن لهم بصرف الحقوق الشرعية عليه، كما بذل العلاّمة المرحوم السيّد حسين مكي جهوداً في الشام لتشجيع المؤمنين للبذل على المشروع. وقامت الجمعية بإعادة بناء المشهد بالإضافة إلى مدرسة دينية فيه، وقد استفاد المهندسون من الخرائط الموجودة في دائرة الآثار بحلب لإعادة البناء على ما كان عليه سابقاً، وبذلك حافظوا على طرازه الأيوبي القديم، وقد تحدّث لنا فضيلته أيضاً عن حركة التثقيف والتدريس والتبليغ الناشطة في المشهد والتي يستجيب لها الكثير من شباب وأبناء حلب، وذكر أن إدارة المقام تؤدي بعض الخدمات للزوار الذين تضيق بهم باحاته أثناء مواسم الزيارة ومنها تقديم الغرف والفرش والأغطية للنوم والخدمات الصحية التي يؤمنها المستوصف الخاص. وأخبرنا أخيراً أنه بصدد طبع كتاب عن المقام، ماضيه وحاضره، بالإضافة إلى كتابه « حلب والتشيع » المفقود من الأسواق.

مشهد المحسن

على الجبل نفسه وعلى بعد حوالي 300 متر جنوبي مشهد الحسين عليه السّلام يقوم مشهد آخر منسوب لآل البيت عليهم السّلام، هو مشهد المحسن. وهو المكان الذي ذُكر أنه كان « منطرة » للكروم، وقد وضعت فيه السبايا في تلك الليلة التي بِتْن فيها خارج حلب. وهناك ـ كما تقول الروايات ـ أسقطت زوجة الحسين عليه السّلام الرباب سقطاً سُمّي بالمحسن، وقد أصبح هذا المكان مزاراً لمحبي أهل البيت عليهم السّلام، ولكن طُمست معالمه مع الزمن، إلى أن حدث ذات مرّة أن سيف الدولة الحمداني كان يجلس للنظر إلى حلبة السباق من على دكة على الجبل المقابل، فشاهد نوراً ينزل على المكان الذي فيه المشهد عدة مرات، فلمّا أصبح ركب بنفسه إلى ذلك المكان وحفر فوجد حجراً عليه كتابة نصها: « هذا قبر المحسن بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السّلام »، وكان ذلك في سنة 351هـ، فجمع سيف الدولة العلويين وسألهم هل كان للحسين عليه السّلام ولد اسمه المحسن ؟ فقيل له: إن بعض نساء الحسين عليه السّلام لما وردن هذا المكان طرحت هذا الولد. عندها بادر سيف الدولة لإقامة بناء على هذا المشهد. وقد أضاف عليه قسيم الدولة اقسنقر سنة 582هـ بعض الاصلاحات ووقف عليه بعض الأوقاف. وفي أيام نور الدين محمود ابن زنكي بُنيت في صحن المشهد بيوت ينتفع بها المقيمون به.
وقد أُحدثت اصلاحات وتجديدات في المشهد في أيام الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن صلاح الدين، ثم في أيام الملك الناصر بن الملك الظاهر. ولما احتل التتار حلب ونهبوا المشهد وخرّبوه أمر الملك الظاهر باصلاح المشهد وعين له إماماً وقيّماً ومؤذناً.
ويتم الدخول إلى المشهد بعد صعود درج طويل من الطريق من باب كبير يرتفع فوقه عقد عال تتدلى منه المقرنصات والزخارف وعليه كتابة نصّها: « بسملة.. أمر بعمارة هذا الموضع المبارك مولانا السلطان الملك الظاهر غياث الدنيا والدين أبو المظفر الغازي بن يوسف.. في سنة تسع وستمائة ».
وحول الصحن لجهة الشمال والغرب تقوم غرف قديمة لخدم المقام والمجاورين. وعلى الواجهة الشمالية من الصحن كتابة قديمة تحتوي صلاة على « محمد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء وخديجة الكبرى.. حتى تأتي على ذكر جميع الأئمّة الاثني عشر عليهم السّلام ».
أما الجهة الجنوبية فتحتوي على المسجد وعلى الغرفة الكبيرة التي تضم قبر المحسن عليه السّلام الذي أقيم عليه صندوق من خشب على جهاته الأربع نقوش ملونة ورسوم قناديل مدلاّة وسورة التوحيد. ويدور حول إطار الصندوق من أعلاه كتابة بالخط الكوفي المزهّر يصعب قراءتها، وهي تعود إلى أيام الطاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي أو لأوائل عهد المماليك، ولا يخلو هذا المشهد من الزائرين سواءً من أهالي حلب وجوارها، أو من القادمين من مختلف البلاد الإسلامية.





أكمل القراءة

كافة الحقوق محفوظة 2013 © مدونة البيت الشيعي